الشيخ محمد رضا النعماني
217
شهيد الأمة وشاهدها
الوثيقة ( 70 ) رسالة بخطّ السيّد الشهيد - رحمه الله - إلى أحد علماء باكستان . بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد : فقد تسلّمنا رسالتكم الكريمة التي تعربون فيها عن عزم الدولة على تطبيق الأحكام الإسلامية وعن مطالبة الشيعة الإمامية بأخذ الفقه الإسلامي الإمامي بعين الاعتبار ، وقد ثمّنا مطالبكم الإسلامية وشعوركم وشعور سائر زملائكم العلماء بالمسؤولية القيادية في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ بلدكم العظيم . وفي هذا المجال نود أن نؤكّد الحقائق الثلاث التالية : الحقيقة الأولى : أنّ تطبيق الإسلام فريضة واجبة وأنّ إعادة الإسلام إلى كل مجالات الحياة وإقامة النهضة الحقيقية للأمّة على أساسه شرط ضروري في استعادتها لمجدها وكرامتها وأصالتها وتغلّبها على ما تواجه من مشاكل التخلف والتمزّق والضياع ، والمسلمون جميعاً يؤمنون بهذه الحقيقة وفي مقدّمتهم الشيعة الإمامية الذين كانوا أبداً في طليعة من حمل مشعل الإسلام وضحّى في سبيله ، ولم يسقط الإمام أمير المؤمنين علي - عليه السلام - صريعاً في المحراب إلّا في سبيل الإسلام وتطبيقه ، ولم يخرّ سيّد الشهداء الإمام الحسين صريعاً على أرض كربلاء الطاهرة إلّا في سبيل الإسلام ومن أجل تطبيقه . الحقيقة الثانية : أنّ تطبيق الإسلام على مجتمع معاصر يتطلّب اجتهاداً حيّاً متحرّكاً واعياً قادراً على الاتصال المباشر بمصادر الإسلام الأولى من الكتاب الكريم والسنة الشريفة واستقراء المنهج الكامل للحياة منهما على الرغم من البعد الزمني وتجدد المشاكل وتراكم التعقيدات خلال ثلاثة عشر قرناً من الزمن ، ولا يمكن عملياً الاقتصار على حدود التجربة المحدودة التي مارسها فقهاء معينون في مرحلة تاريخية سابقة تفصلها عنّا قرون عديدة من الزمن ، فإنّ المطلق هو الشريعة وأمّا الاجتهاد فهو محدود بحدود ما بيّنه المجتهد من حاجات مجتمعه ومشاكل مرحلته ، ومهما كان المجتهد غنياً في فقهه فإنّ آراءه لا يمكن أن تشكّل الأساس المطلق للحياة الإسلامية على مرّ الزمن ، وهذا يعني أننا بحاجة إلى اجتهاد حيّ متحرّك ، بل إلى ألوان من هذا الاجتهاد ، وعلى ولي الأمر دائماً أن ينتقي من آراء المجتهدين الذين يمثلّون الإسلام والشريعة بحقّ ما هو أقرب إلى روح الإسلام ومصالح الأمّة وأكثر انسجاماً مع ظروف توعيتها ونهضتها . الحقيقة الثالثة : أنّ الفقه الإسلامي الإمامي هو المدرسة الوحيدة في الفقه الإسلامي العظيم التي واصلت حركتها العلمية واجتهادها المتحرك ومارست صيغها الفقهية الاجتهادية على مرّ الزمن ، ولا زال الاجتهاد والمجتهدون فيها قادرين على استنباط الحلول المناسبة لمشاكل الحياة من الشريعة كما تدل على ذلك مؤلّفاتهم في الاقتصاد الإسلامي وفي مختلف جوانب الحياة ، وهذا يحتم على أولياء الأمور أن يأخذوا هذا الواقع بعين الاعتبار ويترفّعوا عن الحدود المذهبية الضيقة ويجعلوا من هذا الفقه الحي أساساً من أسس التطبيق الإسلامي الحديث . هذا ونسأل المولى سبحانه أن يوفق الشعب الباكستاني المسلم لإعلاء كلمة الإسلام ، والسلام عليكم وعليهم جميعاً ورحمة الله وبركاته . محمد باقر الصدر